الحيوانات
الفقمات تحت الماء
مرحبًا بكم يا أصدقاء! هل تساءلتم يومًا كيف تستطيع الفقمات البقاء تحت الماء لأكثر من ساعة دون أن تتنفس؟ بينما لا يستطيع البشر حبس أنفاسهم إلا لبضع دقائق، تغوص الفقمات عميقًا تحت المياه الجليدية بحثًا عن الغذاء بسهولة مدهشة.
كان العلماء يعتقدون سابقًا أن الفقمات تعتمد على إشارات التنفس نفسها التي يعتمد عليها البشر، لكن أبحاثًا جديدة كشفت أنها تستشعر الحاجة إلى التنفس بطريقة مختلفة تمامًا.

يراقب البشر ثاني أكسيد الكربون وليس الأكسجين
يعتقد كثيرون أن الرغبة في التنفس تظهر عندما ينخفض مستوى الأكسجين في الجسم، لكن المثير للدهشة أن الجسم البشري لا يعمل بهذه الطريقة. فبدلًا من ذلك، تراقب مستقبلات متخصصة باستمرار كمية ثاني أكسيد الكربون المنتشرة في مجرى الدم. وعندما يتراكم هذا الغاز، يرسل الدماغ إشارات تؤدي إلى الشعور المزعج المعروف باسم «الجوع إلى الهواء»، أي الرغبة الملحة في التنفس.
ويزداد هذا الشعور تدريجيًا حتى يجبرنا على استنشاق الهواء، حتى لو ظل هناك قدر كافٍ من الأكسجين في الجسم. وهذا يفسر كيف يستطيع بعض ممارسي الغوص الحر ذوي الخبرة إطالة مدة حبس أنفاسهم من خلال التدريب. فعندما يعتاد الجسم ارتفاع مستوى ثاني أكسيد الكربون، يمكن أن تتأخر الرغبة في التنفس. لكن هذا التكيف ينطوي على خطر كبير.
فقد ينخفض مستوى الأكسجين إلى درجات خطيرة قبل أن يصدر الجسم تحذيرًا قويًا، ما قد يؤدي إلى فقدان الوعي بسبب نقص الأكسجين الواصل إلى الدماغ. وتفرض المنظمات المسؤولة عن مسابقات الغوص الحر قواعد سلامة صارمة، لأن هذه الحالة قد تحدث دون إنذار واضح، خاصة أثناء الغوص العميق أو حبس الأنفاس لفترات طويلة.
سؤال علمي ألهمه الغوص الحر
بدأ الباحثون في وحدة أبحاث الثدييات البحرية بجامعة سانت أندروز في اسكتلندا طرح سؤال مهم بعد ملاحظاتهم لممارسي الغوص الحر المحترفين.
لاحظ الباحث الرئيسي كريس ماكنايت أن البشر قد يفقدون الوعي أحيانًا لأن استجابة الجسم للتنفس تعتمد أساسًا على ثاني أكسيد الكربون، وليس على مستوى الأكسجين. ولو كانت الفقمات تعتمد على النظام نفسه، لواجهت مشكلة كبيرة تهدد بقاءها، لأن فقدان الوعي تحت الماء قد يؤدي إلى الموت.
دفعت هذه الملاحظة العلماء إلى الاعتقاد بأن الثدييات التي تغوص تحت الماء تمتلك آلية مختلفة تمامًا، تستطيع من خلالها مراقبة الأكسجين نفسه بدلًا من انتظار تراكم ثاني أكسيد الكربون. ولاختبار هذا الاحتمال، أجرى الفريق دراسة خاضعة لضوابط دقيقة، نُشرت لاحقًا في مجلة «ساينس» العلمية.
كيف اختبر العلماء الفقمات الرمادية البرية؟
تُعد دراسة فسيولوجيا الغوص لدى الثدييات البحرية أكثر صعوبة بكثير من إجراء التجارب على المتطوعين من البشر. لذلك، عمل الباحثون مع ست فقمات رمادية برية صغيرة السن، تنتمي إلى النوع المعروف علميًا باسم *Halichoerus grypus*، وأُقيمت مؤقتًا في منشأة البحث.
وبدلًا من إجبار الحيوانات على خوض تجارب غير طبيعية، درّبها الفريق على المشاركة طوعًا في تمرين يحاكي البحث عن الغذاء. وكانت كل فقمة تسبح بين حجرة للتنفس عند سطح الماء ومحطة تغذية تحت الماء تتوفر فيها مكافآت غذائية.
أتاح هذا النظام للباحثين تغيير تركيب الهواء الذي تستنشقه الفقمات قبل كل غوصة، دون التأثير في سلوكها الطبيعي أثناء السباحة.
ومن خلال تعديل تركيز الأكسجين بعناية، مع تغيير مستويات ثاني أكسيد الكربون أيضًا، تمكن العلماء من ملاحظة العامل الذي يؤثر فعلًا في مدة بقاء الفقمات تحت الماء.
الأكسجين وليس ثاني أكسيد الكربون هو ما يتحكم في مدة الغوص
تحدت النتائج افتراضات استمرت لعقود بشأن قدرة الثدييات على حبس أنفاسها. فعندما انخفض تركيز الأكسجين، قصّرت الفقمات مدة غوصها باستمرار، بينما بقيت تحت الماء لفترة أطول عندما زادت كمية الأكسجين المتاحة.
والمثير للدهشة أن رفع مستوى ثاني أكسيد الكربون، حتى إلى درجات أعلى بكثير مما تواجهه هذه الحيوانات عادة في الطبيعة، لم يؤثر تقريبًا في مدة بقائها تحت الماء. وأظهر هذا النمط الواضح أن الفقمات تستجيب مباشرة لتوافر الأكسجين، بدلًا من الاعتماد على تراكم ثاني أكسيد الكربون.
وتقدم النتائج أدلة قوية على أن الفقمات تمتلك نظامًا داخليًا قادرًا على رصد مستويات الأكسجين في الدم بدقة ملحوظة. وبدلًا من انتظار الشعور بالانزعاج نتيجة ارتفاع ثاني أكسيد الكربون، يبدو أنها تعود إلى السطح قبل أن ينخفض الأكسجين إلى مستويات خطيرة.
لماذا تمنح هذه القدرة الفقمات ميزة كبيرة للبقاء؟
تتطلب الحياة تحت سطح المحيط إدارة دقيقة للطاقة. فالغالبية من الفقمات الرمادية تغوص عشرات أو مئات المرات يوميًا بحثًا عن فرائس تختبئ في قاع البحر أو تسبح في المياه العميقة. وتتطلب كل غوصة تحقيق توازن دقيق بين استهلاك الأكسجين والحاجة إلى البقاء تحت الماء مدة تكفي للعثور على الغذاء.
ومن خلال مراقبة الأكسجين مباشرة، تستطيع الفقمات تحديد الوقت المناسب للعودة إلى السطح. وهذا يقلل بدرجة كبيرة من خطر فقدان الوعي أثناء الغوص، ويمنحها ميزة مهمة في التطور والبقاء. فالثدييات البحرية التي تتعرض لفقدان الوعي المتكرر بسبب نقص الأكسجين ستواجه صعوبة في الصيد والهروب من المفترسات ورعاية صغارها.
وعلى مدار ملايين السنين، يُرجح أن الانتقاء الطبيعي فضّل الحيوانات القادرة على متابعة مخزون الأكسجين المتبقي في أجسامها بدقة. ويعتقد الباحثون أن هذه القدرة قد لا تقتصر على الفقمات الرمادية، إذ ربما تمتلك حيوانات أخرى بارعة في الغوص، مثل فقمات الفيل وأسود البحر والحيتان، وربما بعض الطيور الغواصة أيضًا، أنظمة مشابهة لمراقبة الأكسجين تطورت بصورة مستقلة مع تكيف أسلافها مع الحياة المائية.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من الفقمات في العلوم الطبية؟
قد يساعد فهم كيفية تنظيم الفقمات لعملية التنفس في تطوير المعرفة الطبية المتعلقة بالتنفس ووظائف الجسم. ويهتم العلماء بتحديد المستشعرات البيولوجية المسؤولة عن اكتشاف الأكسجين، لأن فهم الآليات المشابهة قد يسهم في تحسين المعرفة باضطرابات التنفس والتخدير وطب الطوارئ وعلاج الحالات المرتبطة بنقص الأكسجين.
كما تعمق هذه النتائج فهمنا لقدرة التطور على إعادة تشكيل الأنظمة الأساسية التي يعتمد عليها البقاء. فبدلًا من الاكتفاء بتطوير مخزون أكبر من الأكسجين، طورت الفقمات طريقة أكثر دقة لإدارته، ما يسمح لهذه الثدييات البحرية بقضاء فترات طويلة بصورة استثنائية تحت سطح المحيط، مع تجنب المخاطر التي تواجه البشر عند حبس أنفاسهم.
وفي المرة القادمة التي تشاهدون فيها فقمة تختفي تحت الأمواج، تذكروا أن قدرتها المذهلة على الغوص لا تعتمد على قوة رئتيها وحدها. بل يبدو أنها تمتلك نظامًا بيولوجيًا دقيقًا يراقب الأكسجين باستمرار، ويساعدها على إنهاء كل غوصة في الوقت المناسب تمامًا.