النباتات

سر توهج الفطر في الظلام

هل سبق لك أن تجولت في غابة ليلًا ولاحظت توهجًا أخضر خافتًا يصدر من شيء يشبه فطرًا عاديًا، يا أصدقاء ليكرز؟ قد يبدو الأمر أشبه بالسحر، لكن الفطريات المضيئة حيويًا تنتج ضوءًا حقيقيًا من خلال تفاعل كيميائي يحدث داخل أنسجتها الحية.
ومن المعروف أن أكثر من 100 نوع من الفطريات قادر على إصدار الضوء الحيوي، مع وجود أمثلة على عدة قارات وبين مجموعات فطرية مختلفة. وعادةً ما يكون هذا التوهج خافتًا، وليس قويًا بما يكفي لإضاءة طريق داخل الغابة، لكنه في الظلام الدامس قد يجعل مجموعة من الفطريات المضيئة تبدو واضحة بشكل مدهش.

الكيمياء وراء التوهج

يحدث التلألؤ الحيوي عندما ينتج كائن حي الضوء من خلال تفاعل كيميائي. وفي الفطريات، تنتمي هذه العملية إلى مسار كيميائي حيوي يتضمن مركبات تُعرف باسم اللوسيفيرين، وإنزيمات تُسمى اللوسيفيراز. وفي النظام الموجود لدى الفطريات، يؤدي جزيء 3-هيدروكسي هيسبيدين دورًا مهمًا، إذ يُنتج من الهيسبيدين، وهو مركب تصنعه إنزيمات فطرية. وعندما يتفاعل اللوسيفيرين المعني مع الأكسجين بوجود الإنزيمات الفطرية، يطلق التفاعل طاقة على هيئة ضوء مرئي. وتُسمى النتيجة التلألؤ الحيوي، أي أن الكائن نفسه يولد الإضاءة بدلًا من مجرد عكس ضوء القمر أو أي مصدر خارجي آخر. ويكون اللون الناتج عن العديد من الفطريات المضيئة أخضر عادةً، رغم أن مظهره الدقيق قد يختلف حسب النوع وظروف المشاهدة. وقد يصعب رؤية الضوء بالقرب من مخيم مضاء، لكنه يصبح أسهل بكثير في الملاحظة بعد أن تتكيف العينان مع الظلام.

ليس كل جزء من الفطر المضيء يتوهج

من التفاصيل المثيرة للاهتمام أن التلألؤ الحيوي لدى الفطريات لا يظهر بالضرورة في الكائن بأكمله. ففي بعض الأنواع، يتركز الضوء في قبعة الفطر أو في أجزاء تناسلية أخرى. وفي أنواع أخرى، يمكن للخيوط الفطرية، التي تتكون من شبكة من الخيوط الفطرية المجهرية، أن تنتج توهجًا مرئيًا أيضًا. وترتبط الظاهرة الشهيرة التي تُعرف أحيانًا باسم «نار الثعلب» بالخيوط الفطرية المضيئة أو بالأخشاب المتحللة التي استعمرتها الفطريات المضيئة. وفي الغابات المظلمة، قد تبدو بقع صغيرة من المواد المصابة وكأنها تصدر ضوءًا أخضر خافتًا. وتكتسب هذه المعلومة أهمية لأن الفطر الظاهر فوق سطح التربة ليس سوى جزء من كائن فطري أكبر بكثير. فتحت سطح التربة أو داخل البيئة المحيطة به، قد تمتد شبكات واسعة من الخيوط الفطرية وتواصل عملية تحليل المواد العضوية والحصول على العناصر الغذائية.

لماذا ينفق الفطر طاقة لإنتاج الضوء؟

يتطلب إنتاج الضوء موارد كيميائية حيوية، ولذلك ظل الباحثون يتساءلون منذ فترة طويلة عن الفائدة التي يحققها هذا التوهج. ومن أبرز التفسيرات المطروحة دور الحشرات. فبعض الفطريات المضيئة تنتج الضوء من أجزائها التناسلية، مما قد يجعلها أكثر وضوحًا للحشرات الليلية. وعندما تزور الحشرات فطرًا مضيئًا، قد تلتقط أبواغ الفطر دون قصد وتنقلها إلى مكان آخر. وتُعد الأبواغ ضرورية لتكاثر الفطريات لأنها تسمح للكائن باستعمار بيئات جديدة. ولذلك يمكن أن تعمل الحشرات كوسيلة نقل غير مقصودة. ويمكن للإضاءة الفطرية أن تؤثر في سلوك الحيوانات، لكن تفسير جذب الحشرات قد لا ينطبق بالدرجة نفسها على جميع الأنواع المضيئة. فقد يكون للتلألؤ الحيوي أدوار بيئية مختلفة اعتمادًا على المكان الذي يعيش فيه الفطر والحيوانات التي تتفاعل معه.

قد يكون التوهج جزءًا من إيقاع يومي

لا تتوهج بعض الفطريات المضيئة بالشدة نفسها طوال اليوم. فقد وجد الباحثون الذين درسوا بعض أنواع الفطر المضيء أدلة على وجود تنظيم يومي، ما يعني أن آلية إنتاج الضوء يمكن أن تتبع إيقاعًا يوميًا داخليًا. وفي بعض الأنواع، يكون التلألؤ أقوى ليلًا وأضعف خلال النهار. ويبدو هذا التوقيت منطقيًا من الناحية البيئية إذا كانت الحشرات الليلية من الزوار المهمين. فقد يجعل إنتاج أقوى إشارة عندما تكون الحشرات التي يمكنها نقل الأبواغ نشطة ليلًا تكلفة الطاقة اللازمة للإضاءة أكثر فائدة. كما يوضح هذا الإيقاع أن التلألؤ الحيوي لدى الفطريات ليس مجرد تفاعل كيميائي سلبي يحدث كلما توفرت المواد اللازمة. ففي بعض الفطريات، تنظم الأنظمة الحيوية التوقيت الذي تصبح فيه العمليات الكيميائية أكثر نشاطًا.

لماذا يكون التوهج خافتًا عادةً؟

نادرًا ما يشبه الفطر المضيء مصباحًا ساطعًا. فعادةً ما يكون ضوؤه ضعيفًا لأن النظام الحيوي مهيأ للإشارة أو للتفاعل البيئي، وليس لإضاءة مساحة واسعة. كما أن العين البشرية لا تتمتع بقدرة كبيرة على رؤية الألوان في ظروف الإضاءة شديدة الانخفاض، لذلك قد يبدو التوهج في البداية رماديًا مائلًا إلى الأخضر. وبعد قضاء عدة دقائق في الظلام، تصبح العينان أكثر حساسية، مما يجعل رؤية التوهج الخافت أسهل. تتوهج بعض الفطريات لأن خلاياها تحتوي على مسار كيميائي حيوي متخصص قادر على تحويل الطاقة الكيميائية إلى ضوء مرئي. لذلك، في المرة القادمة التي ترى فيها بريقًا أخضر خافتًا على غصن ساقط، ألقِ نظرة أقرب.
فما يبدو كضوء غامض في الغابة قد يكون في الواقع أثرًا مرئيًا لعلاقة معقدة بين الفطريات والكيمياء والحشرات وتحلل المواد العضوية. وإذا صادفت يومًا فطرًا مضيئًا في الطبيعة، فهل ستلاحظ الضوء الخافت أولًا، أم عالم الفطريات الخفي المسؤول عن إنتاجه؟

مفضلاتك

اختر قائمة لعرضها