الحيوانات
الحرباء
تبدو الحرباء وكأنها تمتلك قدرات سحرية عندما يتغير لون جلدها من الأخضر إلى الأصفر أو الأزرق أو البني الداكن خلال وقت قصير.
ينشأ كثيرون وهم يسمعون أنها تغيّر لونها أساسًا للاختباء والاندماج مع البيئة المحيطة، لكن هذه الفكرة الشائعة لا تكشف الحقيقة كاملة.
صحيح أن الحرباء قد تصبح أحيانًا أقل وضوحًا في محيطها، لكن تغيّر لونها يرتبط بالتواصل وتنظيم وظائف الجسم بدرجة أكبر بكثير من ارتباطه بمجرد التمويه. فجلدها أشبه بنظام عرض نشط يعكس ما تستشعره وما يحدث داخل جسمها استجابةً للظروف المحيطة.
الحرباء مجموعة مميزة من السحالي، تشتهر بأقدامها القادرة على الإمساك بالأغصان، وألسنتها الطويلة، وأجسامها المفلطحة من الجانبين، وعيونها التي تستطيع التحرك بصورة مستقلة. وتعيش أساسًا في أفريقيا ومدغشقر، مع وجود أنواع قليلة في أجزاء من جنوب أوروبا وغرب آسيا.
ويجعلها شكلها الخارجي حيوانًا فريدًا، لكن جلدها هو ما يجذب معظم الاهتمام. والنقطة الأساسية هنا أن تغيّر اللون لا يحدث بمجرد تحرك الأصباغ داخل الجلد بطريقة بسيطة؛ ففي أنواع كثيرة، تساعد طبقات جلدية متخصصة على إنتاج ألوان وتأثيرات بصرية مختلفة.
كيف تعمل آلية تغيّر اللون؟
يحتوي جلد الحرباء على أنواع متعددة من الخلايا التي تسهم في ظهور الألوان. وتؤدي الخلايا الصبغية دورًا في هذه العملية، لكن التغيرات البنيوية داخل الجلد مهمة أيضًا، ولا سيما في الخلايا العاكسة للضوء التي تحتوي على بلورات دقيقة تعكس أشعة الضوء.
ومن خلال تغيير ترتيب هذه البلورات، تستطيع الحرباء تعديل الأطوال الموجية للضوء المنعكس عن جلدها، مما يغيّر اللون الذي تراه العين. وهذا يعني أن العملية لا تقتصر على زيادة الصبغة الداكنة أو تقليلها، بل تعتمد أيضًا على تفاعل الفيزياء والضوء وتركيب الجلد.
ولهذا السبب، تستطيع الحرباء الانتقال بين مجموعة مدهشة من الدرجات اللونية، وفقًا لنوعها والموقف الذي تمر به. فقد تصبح بعض الألوان أكثر سطوعًا عندما يكون الحيوان متيقظًا أو مثارًا، بينما قد تظهر درجات داكنة عندما يشعر بالتوتر أو يحتاج إلى امتصاص مزيد من الحرارة.
وقد يحدث هذا التغير بسرعة كبيرة، إذ يتحكم فيه الجهاز العصبي والاستجابات الهرمونية. لذلك، عندما تغيّر الحرباء لونها، فإنها غالبًا ما تكشف عن حالتها الداخلية بدلًا من مجرد محاكاة لون ورقة أو غصن.

التواصل هو السبب الأهم
يُعد التواصل مع أفراد النوع نفسه أحد أهم أسباب تغيّر لون الحرباء. فقد تُظهر الذكور ألوانًا أكثر سطوعًا وتباينًا عند مواجهة الذكور المنافسة. وأثناء التفاعلات الاجتماعية، يمكن للألوان أن تعبّر عن الاستعداد للمواجهة أو السيطرة أو الانفعال.
وفي أثناء التودد والتزاوج أيضًا، قد تنقل الأنماط اللونية إشارات عن حالة الحيوان وما يسعى إليه. وتحمل هذه الألوان دلالات مهمة لدى أفراد النوع نفسه، مما يساعد على تقليل الالتباس خلال اللقاءات.
وتستخدم الإناث الألوان بدورها لإرسال الإشارات. ففي بعض الأنواع، قد تظهر الأنثى ألوانًا معينة توضح ما إذا كانت مستعدة للتزاوج أم لا. وهكذا يصبح الجلد أشبه بلوحة رسائل مرئية.
وبدلًا من اعتبار تغيّر اللون مجرد حيلة للاختباء، من الأدق فهمه باعتباره جزءًا من لغة اجتماعية. فالألوان تتبدل باستمرار، وتتفاعل مع الظروف، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بسلوك الحيوان.
للحرارة والضوء دور أيضًا
يساعد تغيّر اللون كذلك على تنظيم درجة حرارة الجسم. فالألوان الداكنة تمتص قدرًا أكبر من الحرارة، وهو ما قد يكون مفيدًا في الأجواء الباردة، بينما تعكس الألوان الفاتحة مزيدًا من الضوء، وقد تساعد على تجنب ارتفاع حرارة الجسم أكثر من اللازم.
ولأن الحرباء تعتمد على مصادر الحرارة الخارجية لتنظيم درجة حرارة جسمها، فإن هذه القدرة قد تدعم بقاءها خلال حياتها اليومية. ولذلك، قد تتغير أنماط ألوانها بحسب تعرضها للشمس أو وجودها في الظل أو المدة التي تقضيها في الراحة والتشمّس.
كما تؤثر ظروف الإضاءة في مظهر الألوان. فقد تبدو الحرباء مختلفة تمامًا تحت الضوء الساطع مقارنة بمظهرها في مكان خافت الإضاءة، لكن ذلك لا يعني أنها تحاول الاختفاء في كل مرة يتغير فيها لونها.
فغالبًا ما يكون التغير المرئي مزيجًا من تنظيم وظائف الجسم وإرسال الإشارات والاستجابة للبيئة. وقد يحدث التمويه بالفعل، لكنه لا يفسر الظاهرة كاملة، وليس عادةً السبب الرئيسي الذي يتخيله الناس.

لماذا تستمر فكرة التمويه في الانتشار؟
لا تزال فكرة التمويه شائعة لأنها بسيطة وسهلة التصديق عند رؤية الألوان تتغير أمام العين. فإذا رأى شخص حرباء خضراء على غصن، فمن السهل أن يفترض أنها أصبحت خضراء لتطابق لون الغصن تمامًا. لكن الطبيعة غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا من ذلك.
تقضي كثير من الحرباءات جزءًا كبيرًا من وقتها بألوان تعكس حالتها المزاجية ومكانتها الاجتماعية واحتياجاتها الحرارية وظروف الإضاءة المحيطة بها. لذلك، فإن جلدها ليس مجرد وسيلة لمطابقة ألوان البيئة، بل نظام مرن يلبي احتياجات متعددة في الوقت نفسه.
في المرة المقبلة التي ترى فيها حرباء تغيّر لونها، حاول التفكير في أسباب تتجاوز التمويه. فقد يكون التغير إشارة اجتماعية أو استجابة لدرجة الحرارة أو رد فعل تجاه التوتر والإضاءة.
إن فهم هذه الأسباب يجعل هذه السحالي أكثر إثارة للاهتمام. وإذا أردت التعرف عليها بصورة أفضل، فلا تراقب اللون وحده، بل انتبه أيضًا إلى الموقف والظروف المحيطة بالحرباء.